حكاية ليلة كانت هادئة

22 12 2009

كعادته جاء كانون الاول يحمل معه البرد القارس ,صحيح أن هذه الليلة ليست كسابقاتها حيث الرياح الجنوبية العارمة تبدو وكأنها في إستراحة محارب إستعدادا منها لتفرغ كل ما في جعبتها مع دخول أربعينية الشتاء في الواحد والعشرين من هذا الشهر , لكن هذا لا يعني إطلاقا ان البرد قد خفت وطأته .

أطفأ الحي الدمشقي الهادئ أنواره , ظهرت النجوم ونامت العيون وخيم الليل والسكون في المحيط…..

 والليل بالنسبة لي كما هو عند جبران خليل جبران :

ليل العشاق والشعراء والمنشدين

ليل الاشباح والأرواح والأخيلة

ليل الشوق والصبابة والتذكار

هكذا قال جبران في ليلة مثل ليلتي هذه حيث كان ينعم بالهدوء ويسبح بافكاره متنقلا بين لئلئة النجوم وجمال القمر .

تجاوزت الساعة الثانية بعد منتصف الليل ركنت إلى سريري ووحده  صوت لهيب النار المنبعث من المدفأة يجول أرجاء الغرفة ليضفي عليها مزيدا من الدفأ في ليلة شتاء باردة , ضغطت بلطف على المسجلة ليخرج منها صوت مخملي عشقته منذ زمن طويل إنها كوكب الشرق أم كلثوم تغني ..

يا حبيبي

الليل وسماه ونجومه وقمرو

قمرو وسهرو

وأنت وأنا……. يا حبيبي انا……. يا حياتي أنا

كلنا كلنا بالحب سوا….

كان صوت لهيب النار المنبعث من مدفأة غرفتي قد تلاشى بعد تشغيل المسجلة لكنني استطيع أن ألحظ ضوء اللهب المنبعث من زجاجة المدفاة والقادر على منحي مزيدا من الدفأ .

تناولت الكتاب الذي كنت اقرأ به منذ يومين فالاجواء أكثر من ممتازة للقراءة .

وكانت أغنية أم كلثوم مستمرة تقول:

 والهوى آه من الهوى …..

يا حبيبي

يا الله نعيش في عيون الليل

ونقول للشمس …تعالي تعالي

بعد سنة مش قبل سنة

بلليلة حب حلوة

بالف ليلة وليلة

حطمت أصوات الانفجارات سكون المكان دوت اصواتها على الحي الدمشقي الهادئ وتحققت معادلة مقدارها كل عشر ثواني عشرة قذائف وكل قذيفة عشر انفجارت كأن معركة ما قد بدأت والله وحده يعلم  متى تنتهي …تركت الاصوات جانبا وتناولت كتابي الذي كنت اقرأه لكن هيهات هيهات فوطيس المعركة قد اشتد وكثافة الانفجارات ازدادت حدتها, وكأن المعركة دخلت منحى جديدا …فكل عشر ثواني عشرون انفجارا …تجاهلت الأصوات محاولا التركيز على ما اقرأ لكن هيهات هيهات …فقد أشتدت المعركة وقويت وضوء مفرقعاتها امتد ليخرق وحدتي ليتسلل ضيفا غير مرغوب فيه فالساعة تجاوزت الثانية والنصف …لا يهم كم تكون الساعة فالمسؤلين عن الانفجارات قلبوا الليل الى نهار حتى ان سكان الحي تطاولوا من نوافذهم يسألون بعضهم عن ما يجري , هنا تحديدا إنهمر وابل من الأصوات غير مسبوق ودوت الانفجارات بوتيرة أشد من كل ما سبق واللحظة الواحدة باتت تشهد عشرات الانفجارات…إنطلقت الصواريخ تطاول القمر المختفي ودوت الاصوات تقتل بغير رأفة سكون الليل وعم الهرج والمرج أرجاء الحي وأصوات زمامير السيارة تقترب رويدا رويدا …..

في لحظة واحدة تستمر أصوات المفرقعات وتتزايد حدتها مع إقتراب السيارات التي لا تهدا عن إطلاق الزمامير وكأن أحدهم قد أمضى شهورا يحشد لتلك اللحظة ….المهم يبدو أن الأمور وصلت الى ذروتها فمطلقي الاعيرة و المفرقعات  بدا واضحا أنهم جهزوا جيدا لهذه اللحظة وبدأو وكأنما يفرغون كل ما في جعبهم فكثافة الاصوات إزدادت بشكل غير مسبوق.

المهم وصل الموكب المقدس يحمل معها قدسية الديار المقدسة فسيدنا الحجي قد وصل …

كنت قد سمعت مؤخرا أن جارنا ابو مازن سافر لاداء فريضة الحج وفرحت كثيرا لسماعي الخبر لأن ابو مازن يصنف في الحارة – وقلت يصنف –  بأنه  واحد ممن حق فيهم القول كوم حجار ولا هيك جار.

ابو مازن هذا شخص وكأنه  أقسم ألا يموت إلا وقد أذى كل الناس و كأنه قد قطع عهدا على نفسه ألا يبقي أحد في كل الحي إلا ويكرهه .

نعود لليلة التي كانت عادية وهادئة قبل مجيئ الموكب المقدس الذي يقل قداسته ..

ترجل الحاج من سيارته الفارهة على وقع الزمامير التي لا تتوقف والتفجيرات التي وصلت لذروتها إقترب منه مازن الابن الأكبر – فرخ البط عوام – قدم له عود ثقاب تناولها الحجي ابو مازن بثقة وكبرياء ثم تمايل كالطاووس بخطوتين واثقتين لا يمكن للناظر إلا وأن يمنحه جائزة التكبر دون منازع مشى خطوتين باتجاه الجدار القريب من منزله وكأنه في حفل إفتتاح منشاة صناعية أو تكنولوجيا أو فكرية ويحمل بيده المقص الذي سيقطع به الشريط الحريري أمسك أبو مازن عود الثقاب وأشعل أحدها وانحنى سنتيمترات قليلة وأشعل أحد المفرقعات التي دوت في المكان دوي هائل أيقظ معه آخر سكان الحي ممن يعرفون بنومهم الثقيل….

وتوقع الجميع أن الليلة ستعود هادئة بعد ذلك دون ان يتوقع أحد ما الذي سيجري فأبو مازن أشعل عود الثقاب إيذانا منه ببدأ الاحتفالات الرسمية وعندها بدأت الليلة الحقيقة وعندها ادركت ان ما جرى منذ خمسين دقيقة حتى الآن ما هي إلا بروفا متواضعة للاحتفال الكبير لمناسبة عودة الحجي  من الديار المقدسة ….

كنت سأل نفسي عند سماعي لخبر سفر ابو مازن لأداة فريضة الحج هل  سيفجر أبو مازن مفاجئة من العيار الثقيل عندما يعود من الحج مغسولا من الخطايا تائبا الى الله عاقد العزم أن يبدأ صفحة جديدة مع الخلق والخالق ,غير ان ما بدا جليا انه فجر شيئ آخر تماما .

فبإشعاله المفرقعات بيده قرابة الثالثة  ليلا يكون قد نسف آخر أمل أنه حقا كان في الحج وعندها أيقنت بأن ما كل ما يلمع  ذهبا ولا كل من ذهب للحج قد ذهبا…

 جرت العادة أن يقول الناس للعائدين من الأراضي المقدسة : تقبل الله طاعتكم ….والسؤال الذي يطرح نفسه بماذا دعا  كل أهل سكان الحي – الذي كان هادئ – بحق أبو مازن ؟؟

وهل كان سفر أبو مازن إلى الحج كي يتوب إلى الخالق أم انه ذهب كي يعود وينافق ؟؟


الإجراءات

معلومات

4 ردود

22 12 2009
غيث

مبروووووووووووووووووووووووك يا أحلى حمادة بالدنيا ولادة “همسات برس” يلي أنتظرناها على أحر من الجمر
وإنشالله بتكون بداية صحفي من العيار الثقيل وهالشي أبدا مو بعيد عنك
عنجد كتييييييير أنبسطت لما أجتني الدعوة لاول همسة من همساتك ويالها من همسة
هل هي همسة أم قنبلة فجرت بها صمت و هدوء ليل قصتك وهزت معها كل قارىء لكلماتك
أتعبت المدونين من بعد يا حمادة ..هههههههه

بالفعل إنها مهزلة
المتل بيقول الجار قبل الدار
مسخرة كبيرة الشي يلي حكيت عنو
والشي الأسوء أنو راجع من الحج
يعني المفروض راجع بنية صافيةو قلب طيب
لا حول ولا قوة إلا بالله

مبرووووووووك حمادة مرة تانية
بوركت و بورك قلمك

23 12 2009
جرعة زائدة

هههههههههههههههه
أول شي ألف مبروك لعقيدنا وحبيبنا أحمد
هلأ إذا بدنا نجي للمنطق تبعك
فأنت في بلاد لا تعرف معنى لليالي الهادئة
بالأمس الحج
وقبله عرس
واليوم عيد ميلاد
وبعده عيد رأس السنة ……………الخ
ما لك إلا أن تعتاد على الضجيج
وإلا ما ليس لديك خيار آخر
بانادول أكسترا

ماهر

24 12 2009
أنس

هنياً لكل من تشرف بقراءة هذه التدوينة الافتتاحية قبل كاتبها و هنيئاً لك هذه القدرة الابداعية في التدوين ، أحمد أنت بحق استطعت أن ترسم البسمة على وجوهنا لتشق ذلك السيل من الدموع ، و ما حصل معك حصل معي مع اختلاف حدة و وتيرة الانفجارات فأبو الوليد لا يختلف عن أبي مازن بما فعله عند رجوعه من الحج إلا أن اهل الحارة استطاعوا أن يتحملوا ذلك نظرا لسمعته الحسنة فيما بيننا ، و كما يقول والدي : أبو جهل فات عا بلادنا و ما طلع لهلأ !!

25 12 2009
نور

ألف مبروك أحمد على المدونة ومنها لموقع رسمي بإذن الله …
عنجد يلي مابيعرفك بيجهلك وبيجهل قلمك …
للأسف هيك ناس وأمثالن كتيرين بيعطو فكرة كتير سيئة عنا كمسلمين أنو نحنا بس منحب نطبل ونزمر بأي شي منعملو حتى ولو كان فرض من عند رب العالمين …
الله يهدينا ويهديهن وتنهض الأمة من أول وجديد..
شكرا

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s




Follow

Get every new post delivered to your Inbox.